التمويل.. مُواجهة عون وبقاء الموظفين السنة أعادت ميقاتي الى وجدان السنّة
الجمعة، ٠٣ شباط، ٢٠١٢
جريدة الديار - سيمون أبو فاضل
بعد سنة واسبوعين على تكليفه تشكيل الحكومة، في ظل حركة احتجاجات واسعة عبّر عنها مؤيدو تيار المستقبل، وشملت هذه التحركات مسقط رأسه مدينة طرابلس، وبعد ارجائه العودة الى الشمال، الى ان تأمن له استقبال شعبي متواضع، لا بل خجول، وكل هذا على خلفية الاعتراض على قبوله تشكيل الحكومة بعد اسقاط قوى 8 آذار، حكومة زعيم الطائفة السنية الرئيس سعد الحريري. بعد سنة ونيف بات باستطاعة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، احياء مناسبات ورعاية احتفالات في عاصمة الشمال او عاصمة «السنة» في لبنان، اي طرابلس، دون مقاطعة شعبية واسعة ودون احتجاجات ولو بدرجة اقل بكثيرمن يوم الاحتجاج او الغضب الذي شهده عدد من المناطق السنية بنوع خاص.
وقد بات، ايضاً بإمكان الرئيس ميقاتي إحياء ورعاية مناسبات في طرابلس، مسجلاً عدداً من النقاط في وجدان ابناء هذه الطائفة، وطبعاً ليس تيار المستقبل، الذي حمله يوماً مسؤولية احداث امنية شهدتها طرابلس، وذلك عشية استعداداته ووزراء المدينة للاحتفال بتشكيل الحكومة، بحيث توزعت هذه النقاط وفق خريطة تتكامل لتعطي النتيجة لصالح الرئيس ميقاتي الذي قبل ان يتولى رئاسة الحكومة على وقع توازنات، كانت لصالح محور الممانعة داخلياً وخارجياً، وذلك قبل انطلاقة الثورة السورية والربيع العربي، وفق التالي:
- تمكن الرئيس ميقاتي من العودة الى داخل الوجدان السني، لحفاظه على عدد من المسؤولين الامنيين والقضائيين والاداريين كان لدى «حزب الله» قرار باقالتهم، وكلف بذلك رئىس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون، في هذا الدور. اذ بعد المطالبة الفاشلة باقصائهم باتوا ثابتين في مراكزهم، نتيجة جملة عوامل داخلية وخارجية، لكن في النتيجة فشل محور الممانعة في اقصائهم.
- تمكن الرئيس ميقاتي، من تأمين التمويل للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وسائر شهداء ثورة الارز والضحايا الذين سقطوا الى جانبهم في التفجيرات، اذ بعد ان كانت الأبواب موصدة امام امكانية التمويل، جاء المخرج الذي اوجده رئيس مجلس النواب نبيه بري، ليرضي رئيس الحكومة الذي كان تعهد امام المجتمع الدولي باحترام التزامات لبنان وكذلك القرارات الدولية، ويأتي التمويل حكماً ليصب في هذه الخانة.
- تمكن رئيس الحكومة، حتى حينه، من مخاطبة وجدان ابناء الطائفة، حتى محازبي تيار المستقبل، في ظل الغياب القسري لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري، ومن التقرب منهم، بعد النقاط التي يسجلها في مرمى النائب العماد ميشال عون، الذي اختزل التمثيل المسيحي داخل الحكومة بحيث ان مواجهة الرئيس ميقاتي للعماد عون شكلت «تعرية» للعماد عون، لموقعه كرئيس لتكتل يضم عشرة وزراء، وهو الى ذلك في منطق محور الممانعة المؤيد لبقاء الرئيس عون، «زعيماً مشرقياً للمسيحيين». واذ تظهر الوقائع بأنه عاجز عن تحقيق اي انجاز، وهو الأمر الذي يرضي اوساطا واسعة في البيئة السنية.
- «احتضان» رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيور، للرئيس ميقاتي، على خلفية جملة اسباب واعتبارات، ا دى الى سحب فتيل التوتر الذي كان يسود الشارع السني الذي عارض وصول الرئيس ميقاتي، اذ رغم ان المعارضة، لم تكن حادة، الا ان التواصل بين ميقاتي والسنيورة الذي يعترض عليه نواب قوى 14آذار، ادى لتطبيع العلاقة مع ميقاتي، وتراجع حدة المشاعر السلبية تجاهه، حتى ان زيارة الرئيس ميقاتي المرتقبة الى الرئيس الحريري للاطمئنان الى صحته في باريس بعد الحادث الذي تعرض له، ابان زيارته الفرنسية، تعكس هدوءاً في هذا الوسط على حساب الخيارات السياسية التي باتت مرتبطة بتطورات المنطقة.
ولأن رئيس الحكومة، تمكن من الوصول الى هذه العتبة في الواقع السني، او في العام، فانه في الوقت ذاته، لن يحرق ما حققه، في استحقاق تجديد البروتوكول مع المحكمة الدولية التي طلبت بالأمس من الامين العام للامم المتحدة بان كي مون التجديد لها ثلاث سنوات لاستكمال عملها من خلال كتاب رفعته اليه.
ولذلك، فان الاشكال الحاصل بين رئيس الحكومة وبين العماد عون عبر وزرائه، جاء في الوقت المناسب، عشية استحقاق تجديد البروتوكول، الذي لن يقبل به «حزب الله» وابلغ الرئيس ميقاتي عن قراره هذا، وبذلك اذا ما كانت الازمة الحكومية ستمتد عدة اسابيع، وفق قول الوزير مروان خير الدين، حتى يتدخل سعاة الخير، لتحقيق حل شامل، فان الفترة هذه التي ستشهد سفر رئيس الحكومة الى فرنسا ومن ثم الدخول في حوار التسويات، كما العادة، ستكون مناسبة للرئيس ميقاتي، حيث تكون الحكومة في حالة عدم انعقاد، ومن الممكن ان يمدد هو وفق شروط التفاوض هذه الفترة، حتى اجتياز المهلة القانونية المعطاة للبنان لتجديد البروتوكول، وعندها يمدد حكماً، على حد ما يقول وزير العدل الاسبق شارل رزق، لأن الامر مرتبط باستشارة الجانب اللبناني وليس اكثر. وفي هذا الوقت تكون المحكمة مستمرة في عملها، ويمكن عندها لوزير العدل ان يبدي رأيه في الملف، الا ان اي اعتراض لن يوقف ايضاً مسار المحكمة الدولية، لأن البروتوكول سيجدد تلقائياً.
الا انه بعيداً عن محاولات رئيس الحكومة تحصين موقعه في المعادلات الشعبية وكذلك السياسية، فان التوازنات التي ستفرضها نتائج التطورات السورية على الداخل اللبناني، هي من العوامل التي جعلت المحور الوسطي داخل الحكومة «والمؤلف من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط عبر وزرائه»، هي ايضا مساهمة في جوهر المواقف لهؤلاء كل وفق اسلوبه وطبيعته وحساباته على غرار النائب جنبلاط الذي يحمي خياراته اكثر مما هي تحميه في بعض المحطات...
ولا يسقط مصدر وزاري في المحور الوسطي احتمال امتداد الازمة الحكومية التي اعلنها الرئيس ميقاتي عبر عدة مواقف يوم امس، لا سيما ان للعماد عون، وفق المصدر، تجاوزات فاضحة تلغي حقه في بعض الاحيان بالحصول على تعيينات كقوى سياسية، لأنه يريد اختزال كل مسيحيي القوى الحكومية في شخصه او على قياس صهره الوزير جبران باسيل.
وتابع المصدر، ان ثمة قوى حكومية لديها حسابات شعبية، اسوة بوزراء حركة امل، والحزب التقدمي الاشتراكي. الا انه رغم تصنيف الوزراء، علي حسن خليل، غازي العريضي ووائل ابو فاعور على سبيل المثال، من قيادات الاحزاب الشعبية التي تركز على تعزيز حضورها وتأمين خدماتها، يمكن اي من هؤلاء لا تشوب ملفاته، رغم حساسية بعضها، تساؤلات مالية، ام التباسات، على غرار ما هو حال ملفات الوزير باسيل وعدد من زملائه في التكتل، فان الحاصل حاليا، هو ان هؤلاء الوزراء على سبيل المثال، يتصرفون على قاعدة انهم وزراء حكومة لكل لبنان، في حين ان تصرفات الوزير باسيل على قياسه هو فقط وحساباته الخاصة التي تتنامى مع كل جلسة.. وهو ما يؤشر الى ان الأمور باتت تتطلب معالجة جذرية لتنطلق الحكومة وفق ميثاق داخلي بين قواها يمكنها من مقاربة الاستحقاق النيابي.

