رئيـس الحكومـة: لـولا ظـروف لبنـان والمنطقـة.. لاسـتقلت
الجمعة، ٠٣ شباط، ٢٠١٢
جريدة السفير – عماد مرمل
معركة جديدة من معارك «عض الأصابع» فُتحت داخل معسكر «الأكثرية الهشة»، تحت وطأة الخلاف على التعيينات بين فريق رئيسي الجمهورية والحكومة ووليد جنبلاط من جهة ووزراء تكتل التغيير والاصلاح من جهة أخرى، وهو خلاف كان بمثابة الثقاب الذي أشعل مخزونا من التراكمات المتأتية عن نزف الملفات الخلافية، وتضارب المصالح... والصلاحيات.
ولئن كان الرئيس نجيب ميقاتي يفترض ان قراره بتعليق جلسات مجلس الوزراء في مواجهة طروحات العماد ميشال عون سيعزز حضوره المتنامي في الشارع السني، تماما كما ان عون يعتقد ان دفاعه عن حق المسيحيين بالمشاركة الندية في التعيينات ضد محاولة مصادرته من رئيس الحكومة «السني» سيعزز موقعه في الشارع المسيحي.. فإن الأكيد ان اهتزاز الحكومة في هذا التوقيت الحرج، محليا وإقليميا، سينعكس سلبا على البلد الممسوك لا المتماسك، وسيترك المزيد من الندوب على وجه الأكثرية الشاحب، والأخطر ان تعطيل أعمال مجلس الوزراء سيكون على حساب تسيير مصالح الناس الذين وجدوا أنفسهم ضحية «القلوب المليانة» للوزراء ومرجعياتهم.
وهناك في صفوف «الأكثرية» من يلفت الانتباه الى ان الخاسر الأكبر مما جرى، هما مؤسسة مجلس الوزراء واتفاق الطائف كناظم لعملها، مستغربة ان يستسهل الرئيس ميقاتي ضرب الإثنين معا، تحت شعار الحفاظ على صلاحياته ومراعاة المزاج الشعبي في بيئته.
وينبه أنصار هذا الرأي الى ان سلوك ميقاتي يستفز الطوائف الأخرى في مجلس الوزراء، لأنه أوحى بأن المطلوب إما الموافقة على بند التعيينات كما طرحه وإما تجميد الجلسات حتى الاستجابة لطلباته، في حين ان الوزراء ليسوا ملزمين بالبصم على ما يقترحه رئيس الحكومة، والدستور يلحظ ان تعيينات الفئة الاولى تقر بأكثرية الثلثين، وبالنصف زائدا واحدا للتعيينات في الفئات الأخرى، إذا تعذر التوافق عليها، فلماذا لم يطلب رئيس الحكومة التصويت بدل رفع الجلسة؟
ووفق أصحاب القراءة ذاتها، فإن رئيس الجمهورية ميشال سليمان هو من المتضررين أيضا مما حصل، لأن الجلسة التي لم تصل الى بر الأمان عقدت تحت مظلته في قصر بعبدا، ولأن موقفه تموضع تحت سقف الرئيس ميقاتي في موضوع يتعلق بتعيينات مسيحية، حيث اصطف مع رئيس الحكومة والأسماء المقترحة منه في مواجهة العماد عون، بينما كان من الأفضل له سياسيا ومسيحيا ان ينتزع المبادرة.
لكن، وبرغم كل شيء، هناك من يرى ان الأزمة المستجدة ستبقى تحت السيطرة، ولن تتطور في اتجاه تطيير الحكومة، لأن الحاجة إليها ما تزال قائمة، وسيجد أطرافها بعد استهلاك الضغوط المتبادلة انه لا بد مجددا من تبادل التنازلات وإعادة إنتاج خلايا التسويات في جسم الائتلاف الحاكم، على قاعدة أن السيئ وهو التعايش القسري داخل الحكومة يبقى أفضل من الأسوأ المتمثل في إسقاطها.
وفي هذا السياق، يقول الرئيس نجيب ميقاتي صراحة أمام زواره: لو لم يكن لبنان والمحيط العربي يمران في ظروف دقيقة وصعبة لما اكتفيت بتعليق جلسات مجلس الوزراء.. لقد أكدت انني لست بصدد الاستقالة أو الاعتكاف مراعاة مني للوضع المحلي والإقليمي السائد، ولولا حساسية هذا الوضع لكنت قد قدمت استقالتي، لأن الكيل طفح.
وينفي رئيس الحكومة وجود أي قطبة مخفية في الموقف الذي اتخذه بتعليق جلسات مجلس الوزراء الى حين تعديل النهج العوني، مؤكدا ان قراره كان إبن ساعته، وليس نتاج أي تواطؤ او اتفاق مضمر بينه وبين رئيس الجمهورية.
ويشير الى ان البت بملف التعيينات بات ضروريا، ولم يعد مقبولا السماح باستمرار الشغور المزمن في الإدارة من دون أن أحرك ساكنا، «وإذا كنت ألح على الوزراء كي يقوموا بواجباتهم في اقتراح الاسماء لملء الشغور في وزاراتهم، فإنه من الأولى ان اقوم بواجبي بتعيين الشخص المناسب في المكان المناسب ضمن الهيئات الرقابية التابعة لرئاسة الحكومة». ويؤكد ميقاتي انه لا توجد علاقة شخصية تربطه بالاشخاص الذين اقترح تعيينهم وأنه لم يسبق له ان التقى أيا منهم باستثناء مرشح واحد اجتمعت به لدقائق قليلة، مشددا على ان المعيار الذي اعتمده في الاختيار هو معيار الكفاءة وليس الولاء السياسي.
ويوضح ميقاتي انه تحمل الكثير منذ تشكيل الحكومة متسلحا بنفسه الطويل، ولكن الأمور وصلت الى مكان بعيد جدا، معتبرا ان طريقة تصرف وزراء تكتل التغيير والاصلاح لم تعد مقبولة، ومشيرا الى ان العشاء الذي جمعه مع العماد ميشال عون مؤخرا كان محصورا في الإطار الاجتماعي.
وحول أسباب عدم عرض الأسماء المسيحية على «التيار الوطني الحر»، تقول أوساط ميقاتي انه طرح الأسماء على وزير العدل شكيب قرطباوي وكان جوابه إيجابيا.
في المقابل، تبدو الصورة من الرابية مغايرة، حيث تتهم مصادر عون الرئيس نجيب ميقاتي «بافتعال بطولات وهمية داخل مجلس الوزراء من أجل تحسين وضعيته في الشارع السني»، كما انه يسعى الى تكريس معادلات وهمية من نوع تعليق جلسات مجلس الوزراء الى حين الاستجابة لرغباته وطلباته، متجاهلا انه إذا كان بمقدوره انطلاقا من صلاحياته تجميد عمل الحكومة أو تطييرها فإن بإمكان «تكتل التغيير والاصلاح» الذي يتمثل بثلث الوزراء ان يفعل الامر ذاته أيضا في أي وقت، وبالتالي فإن المطلوب احترام التوازن في الحكومة والكف عن ممارسة سياسة اختزال الرقم المسيحي في معادلة السلطة، خصوصا أنه عاد رقما صعبا، لا مجرد كسور.
وإذ ترى المصادر البرتقالية ان ما حصل في مجلس الوزراء كان مريبا ومفتعلا، تلفت الانتباه الى انه سبق لميقاتي ان ابلغ أحد وزراء «تكتل التغيير والاصلاح» منذ حوالى 10 أيام انه لن تكون هناك جلسات لمجلس الوزراء في الاسبوع المقبل بسبب زيارته المقررة مسبقا الى فرنسا، ويبدو ان رئيس الحكومة أراد ان يستفيد من العطلة القسرية لمجلس الوزراء كي يتخذ موقفا استعراضيا.
وتتهم المصادر نفسها رئيس الجمهورية بالتنازل عن الدستور وعن هيبة الرئاسة ومكانتها إزاء موقع رئاسة الحكومة، لافتة الانتباه الى ان رؤساء الجمهورية الذين أتوا بعد اتفاق الطائف كانوا كلهم ضعفاء، باستثناء الرئيس إميل لحود، ومشيرة الى ان المصيبة الكبرى التي أفرزتها مرحلة ما بعد «الطائف» تتمثل في ان رئيس الجمهورية أصبح يعمل لدى رئيس الحكومة.
وتنتقد المصادر بحدة طريقة تصرف الرئيس سليمان خلال ترؤسه جلسة مجلس الوزراء أول أمس، لافتة الانتباه الى انه كان يصوّب على وزراء «تكتل التغيير والاصلاح»، بدلا من ان يعمل على حماية دور المسيحيين في مواجهة محاولة مصادرته من قبل رئيس الحكومة الذي حاول ان يُفصّل التعيينات المسيحية في الهيئات الرقابية على قياسه.
وليس بعيدا عن المقاربة البرتقالية، لا تخفي أوساط سياسية مقربة من «حزب الله» اسـتغرابها لقرار ميقاتي بتعليق جلسات مجلس الوزراء بسبب خلاف على بعض التعيينات، ملاحظة ان رد فعله الحاد لا يتناسب مع طبيعة المشكلة.
وتلفت الأوساط الانتباه الى ان التعيينات المختلف عليها تتعلق أصلا بمواقع مسيحية في هيئات الرقابة، وبناء عليه، لم تكن مبررة محاولة إنزالها بالمظلة على طاولة مجلس الوزراء من دون إنضاجها مسبقا على نار التوافق مع التيار الوطني الحر، متوقعة ان يكون «حزب الله» داعما لعون ومتضامنا معه في مواجهة الحملة التي يتعرض لها.
وإذا كان «حزب الله» يحرص على البقاء الى جانب «الجنرال» في السرّاء والضرّاء، عملا بمقتضيات التحالف القائم بينهما، إلا ان أحد وزراء الكتلة الوسطية يتطلع الى دور مختلف للحزب «الذي يُفترض به لجم جموح عون»، مشيرا الى ان موقف ميقاتي هو رد فعل طبيعي على السلوك الاستفزازي المعتمد من وزراء عون في الحكومة، منذ تشكيلها، متهما إياهم بأنهم لا يقيمون اعتبارا لرئيسي الجمهورية والحكومة ويتجاوزون كل الأصول المؤسساتية.
ويعتبر الوزير الغاضب ان وزراء عون «مش شـايفين حدا» ولا يراعون ظروف الحكومة التي تسير بين الألغام، في مرحلة داخلية وإقليمية حساسة، لا تحتمل الترف البرتقالي في ممارسة السلطة، مشددا على انه بات من المستحيل التعايش او العيش مع نمط السلوك العوني السائد في الحكومة، وبالتالي كان لا بد من توجيه رسالة واضحة بهذا المعنى، كما فعل الرئيس ميقاتي.
ويرى الوزير انه لا يجوز ان يُترك عون على هواه، ولا بد من ضبط إيقاعه وحصر أضراره، لافتا الانتباه الى ان ما يفعله يحرج بالدرجة الأولى حلفاءه المطالَبين بالتدخل لتصويب مساره وحماية الحكومة من تداعيات تصرفاته. ويشير الوزير نفسه الى أن الأسماء لم تنزل بالمظلة بدليل أنها كانت مدرجة في جدول الأعمال ونشرتها بعض الصحف اللبنانية، قبل ثمان وأربعين ساعة من موعد الجلسة، ويختم: «عون يتصرف بطريقة انتخابية بحتة ولا يقيم وزنا لدور المؤسسات».

