الرئيس ميقاتي لـجريدة "النهار": لستُ خائفاً على المستقبل ولا أحد يُلغي أحداً
الأربعاء، ٢٥ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة النهار – سابين عويس
ما كاد الرئيس نجيب ميقاتي يكلف تأليف الحكومة غداة الانقلاب الذي أودى بحكومة الرئيس سعد الحريري، حتى بدا واضحا ان حكومته، تكليفا وتأليفاً، ستكون محكومة بسقفين لا مفر منهما: تداعيات المشهد السوري على الداخل، وشبهة اللون الواحد التي حكمت الحكومة منذ ولادتها بعد تغييب الفريق الخارج من السلطة عنها. وإذا كان رئيس الحكومة قبل التكليف وبعده، رسم مسار خياراته السياسية والتزاماته الداخلية والخارجية بما لا يتناقض مع توجهات من سبقه في الحكم.
وليس ميقاتي بعيدا عن هذا الواقع، وهو لا يخفي في تقويمه لـ"النهار" لتجربته الحكومية عشية مرور عام على تكليفه أن "المهمة لم تكن سهلة وكنت اتوقع تعاونا اكبر من مكونات الحكومة، ولكن ويا للأسف، فان صعوبات كثيرة واجهتنا نتيجة التجاذبات السياسية الحادة، وإن تكن تدحض في مكان ما مزاعم أنها حكومة اللون الواحد، ولكنني أشعر اليوم بأن التضامن الحكومي والانسجام كان يجب أن يكونا أفضل، وان الصعوبات كان يجب أن تكون أقل".
هل هذا يعكس عدم رضى ميقاتي عن أداء حكومته بما يجعله يندم على قراره المضي في التأليف؟
يعود بذاكرته الى عام مضى وتحديدا عشية التكليف، ليقول إن القرار الاصعب كان في حسم الخيار بخوض المهمة أو عدمه. ويقول: "لست هاوي مناصب، وأكدت ذلك من خلال تجربتي في رئاسة الحكومة عام 2005. جئت بمهمة انقاذية لثلاثة أشهر لتحضير الانتخابات النيابية، وكان يمكنني تأخيرها للبقاء أكثر في الحكومة، لكني قررت الا اترشح للنيابة انطلاقا من حرصي على أن تكون رسالتي الاساسية حماية لبنان. واليوم بعدما حسمت خياري بقبول التكليف، باتت المهمة أسهل وبات تركيزي على ضرورة قيام حكومة تحفظ وحدة البلاد وسيادتها وتحترم القواعد والاصول الدستورية. كان حلمي ان أؤلف حكومة تضم كل الاطراف، لكنني فشلت وسعيت الى حكومة متنوعة ولو من فريق واحد، وتريثت وأخذت وقتي حتى شعرت أن كلفة التأخير باتت كبيرة والبلاد كانت على شفير فتنة تتسلل من خلال الفراغ الحكومي والانقسام الحاد الداخلي والصراعات المذهبية في المنطقة. اعتبرت حينها ان الحكومة والحفاظ على موقع رئاستها باتا هدفا وخيارا الزاميا. وانا مقتنع بأن هذه الحكومة، على رغم الاختلافات بين مكوناتها، ماضية في خطها في الحفاظ على الاستقرار وأنا ملتزم حمايتها وتحصينها والدفاع عن ممارساتها وسياساتها، واذا تعذر ذلك فان أحد أبرز اهدافها أو علة وجودها، اي الاستقرار، يكون قد سقط وبالتالي يكون مستقبلها على المحك".
حفظ الاستقرار
ولكن منذ تأليفها، ارتبط عمر الحكومة بمصير النظام السوري بعدما وصفت بأنها وليدة هذا النظام، فإلى أي حد يرى ميقاتي تأثيرا للواقع الاقليمي على حكومته؟ وإلى أي حد نجحت سياستها النأي بالنفس عما يحيطها؟
يفضّل ميقاتي القول إن عمر الحكومة مرتبط بالعنوان الذي وضعه لها، اي حفظ الاستقرار، "وعندما تصبح عاجزة عن هذه المهمة لكل حادث حديث، أما ربط الاستقرار بما يجري في محيطنا فمسألة أخرى. نجحنا حتى اليوم في النأي بلبنان عن الحوادث في سوريا، وهذه الاستراتيجية أبعدته عن تداعيات الأزمة هناك، ونسعى الى إبقاء لبنان محصناً ضد تمددها او انتقالها بما فيها من حساسيات ومشكلات. هذا هو دورنا، وهكذا نحفظ الاستقرار، البعض يأخذ علينا هذا الموقف كأنه خطأ، أثبتت الايام ان هذه السياسة فيها حرص على لبنان وحصانة له، ويا للأسف هناك من يسعى الى إقحامه في الأزمة السورية واستدراج مشكلاتها إلينا، نريد ان نحمي لبنان من هذه التداعيات والعالم اصبح متفهماً لهذا الموقف، بل إن دول العالم والاشقاء العرب تبنوا هذه الاستراتيجية وأصبحوا يلحون علينا لنستمر فيها، والسؤال المركزي هل نجحنا في تحييد لبنان عن المشكلة أم لا ؟ المهم النتيجة".
ولكن ثمة من يرى في سياسة النأي إخراجا للبنان عن الاجماع العربي وعن خريطة القرار والوقوف الى جانب نظام يقمع شعبه؟
رفض ميقاتي هذه المقاربة ويعترف بأنها كانت موضع انتقاد، ولكن "ألم تحمِ لبنان؟ ألم تخفف التشنج؟ لم نعتمد النأي الا بعدما أخذنا في الاعتبار عوامل ثلاثة اساسية: العلاقات التاريخية والجغرافية مع سوريا أولا ومع الدول العربية ثانيا والواقع المنقسم داخليا. وأي خيار في اي من هذه العوامل سيكون على حساب العاملين الآخرين. عملت للحفاظ على الثلاثة".
ولكن الم تضع هذه السياسة لبنان خارج محيطه العربي وقراراته؟
إذاً أنتم مستمرون بهذه السياسة؟ يؤكد: "أكثر فأكثر!"
وبالحديث عن الداخل، لا يمكن عدم الوقوف عند تقويم رئيس الحكومة لتطور علاقاته مع القوى السياسية الحليفة أو المعارضة، وخصوصا أن الاداء الحكومي لم يعكس انسجاما أو تناغما في السياسة كما حصل في ملف المحكمة الدولية مثلا، ولا في الرؤية الاقتصادية والاجتماعية. فأين الحكومة من وصفها حكومة "حزب الله" وماذا عن الازدواجية في القرار لدى رئيسها، والتي يشكوها بعض الوزراء؟
يستغرب ميقاتي هذا الكلام ويؤكد ان "لا ازدواجية في أي قرار بل تفاعل ونقاش. الاختلافات في الرأي موجودة لكنها لم تصل الى حد الخلاف، ويمكن ان تكون داخل الفريق نفسه. واتمنى العودة الى كل مواقفي لأسأل أين لمستم تناقضا او تراجعا عن موقف او التزام؟"
الحزب والمحكمة
ولكن ماذا عن العلاقات بين مكونات الحكومة؟ لنبدأ بالعلاقة مع "حزب الله" في ظل ما يتردد عن برودة بلغت حد السلبية، ولا سيما بعد قرار ميقاتي تمويل المحكمة. ورئيس الحكومة لم يلتق الامين العام للحزب الا مرتين سرا؟
يقول: "لنضع الامور في نصابها. انا حرصت منذ تولي الشأن العام على بناء علاقات جيدة مع الجميع ولم اصنع خصومات مع أي فريق، وأستغرب ما تردد عن نتائج لقاءي بالسيد وخصوصا انهما كانا ثنائيين، وأؤكد أني سعيت في اللقاءين الى مراعاة المصلحة العامة، وقد التقينا في كثير من النقاط".
■ هل هذا يعني أنه تجاوز موضوع تمويل المحكمة؟
- الموضوع أصبح من الماضي.
■ وتجديد البروتوكول؟
- اتمنى ان يعالج بهدوء وترو بعيدا من الضجيج الاعلامي، لكي لا نصبح أسرى مواقف ليست مواقفنا. أنا أعمل بما يمليه علي ضميري والمصلحة الوطنية العليا".
وعن العلاقة مع المعارضة، لا يخفي ميقاتي التواصل بينه وبين الرئيس فؤاد السنيورة ويقول: "أنا على تواصل دائم ومستمر لما فيه المصلحة العامة. ولننظر بواقعية الى الامور، فلا أحد قادرا على إقصاء الآخر".
وماذا عن العلاقة التي بدت مقطوعة كليا مع الرئيس سعد الحريري؟ وهل الاتصال للاطمئنان اليه اقتصر على العائلة؟
يجيب ميقاتي بالقول انه سارع فور تلقيه نبأ الحادث الى الاتصال "ولم يتسن لي الحديث معه لأنه كان لا يزال في العناية الفائقة، لكنه أعاد الاتصال بي أمس، وقد اطمأنت الى صحته وتمنيت له من كل قلبي الشفاء العاجل".
ويبقى سر العلاقة مع سوريا محيرا. فرئيس الحكومة لم يزر دمشق منذ تكليفه، وعلى رغم ذلك تبدو الملائكة السورية حاضرة دائما في الحكومة؟
يعيد ميقاتي تأكيد أهمية علاقات التاريخ والجغرافيا بين البلدين، ويقول: "لم أزر سوريا لأن الظروف لم تسمح ولم يكن لدي ما أطرحه".
■ وماذا عن ملف الاتفاقات والحدود؟ يجيب مقاطعا: "لو كنت قادرا على حمل ملف ترسيم الحدود لما قصرت، لأنه الاهم، وأهميته للبلدين على السواء وليس للبنان وحده، لكن سوريا اليوم منشغلة بوضعها الداخلي".
ويأبى رئيس الحكومة ان يختم كلامه قبل أن يوجه رسالة مطمئنة الى اللبنانيين ليقول انه ليس خائفا على المستقبل . ثمة واجبات على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. صحيح أن هناك ألغاما ومطبات في طريق الحكومة، ولكن بالنية الطيبة والاداء الحسن يمكن تجاوزها. الحملة على الحكومة أكبر مما تستحق. فلنعطها فرصة، وهي لا تتنكر لواجباتها".
ويكشف ان مشروع الموازنة سيكون جاهزا بنهاية شباط المقبل كما ان التعيينات وضعت على السكة وستبدأ اعتبارا من الاربعاء المقبل، دفعة المؤسسات الرقابية والتشكيلات الديبلوماسية.

