الرئيس ميقاتي: لا حصانة لأحد والقانون يبقى فوق الجميع ... لتحكيم العقل ولعدم تمكين أعداء لبنان من تحقيق مآربهم

دعا رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي "ابناء عكار وطرابلس وكل منطقة من لبنان الى تحكيم العقل والضمير والاحساس بالمسؤولية الوطنية في هذه الظروف الدقيقة" وناشدهم "عدم تمكين اعداء لبنان من تحقيق مآربهم". وأكد "الحرص على احقاق الحق والمضي في التحقيقات الجارية في حادثة عكار حتى النهاية". وشدد على "ان القضاء العسكري يتابع  التحقيقات بسرعة وجدية، وهو لن يتوانى عن اتخاذ  الاجراءات واشد العقوبات في حق من تثبت مسؤوليته من دون تلكؤ او محاباة"، مؤكدا "أن لا حصانة لأحد وان القانون يبقى دائما فوق الجميع".

 

وكان الرئيس ميقاتي يتحدث في مؤتمر صحافي في ختام  إجتماع وزاري وأمني عقده  مساء اليوم في السرايا وشارك فيه:  وزير الدفاع الوطني فايز غصن، وزير الداخلية والبلديات مروان شربل، وزير العدل شكيب قرطباوي، قائد الجيش العماد جان قهوجي، المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي، مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد إدمون فاضل، ورئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي  العميد  وسام الحسن.

 

الرئيس ميقاتي


في بداية الاجتماع قال الرئيس ميقاتي "ان الحادث الذي وقع اليوم في منطقة عكار والذي ذهب ضحيته الشيخ احمد عبد الواحد ومرافقه لم يحزن فقط ابناء هذه المنطقة العزيزة على قلوبنا، بل احزننا جميعا، لأن جرح اخوتنا في عكار هو جرحنا جميعا ، والمؤلم اكثر ان الحادث وقع مع قوة من الجيش اللبناني في ظروف مؤسفة لا بد ان تتوضح معالمها من خلال التحقيق الذي يتولاه القضاء العسكري المختص الذي لن يتوانى في اتخاذ الاجراءات المناسبة في حق من يثبت تورطهم. والحكومة ملتزمة تنفيذ هذه الاجراءات المسلكية منها والجزائية من دون اي تلكوء او محاباة. الى ان تنتهي التحقيقات التي طالبت بان تكون سريعة وصارمة وشفافة، لا بد من التشديد على ان ابناء عكار لا يمكن ان يعتبروا الجيش اللبناني خصما لهم، لانهم المعين الذي لا ينضب ويغذي الجيش بخيرة رجاله، كذلك فان الجيش لا يمكن ان يتعامل مع ابنائه في عكار من موقع معاد لانه حريص على امنهم واستقرارهم تماما كما هو حريص على كرامتهم وسلامتهم.

 

وقال: إن الاجهزة الامنية اللبنانية لا يمكن ان تكون في اي وقت من الاوقات، مصنّفة لفريق لبناني دون آخر، او هي تنفذ ارادة طرف او اطراف، محليين كانوا ام خارجيين، واذا ما حصلت بعض الاشكالات او الاخطاء في خلال تنفيذ بعض المهام الامنية، فان القوانين التي ترعى عمل هذه الاجهزة هي التي ستطبق، والقضاء سيكون الضمانة لتأكيد حيادية عمل الاجهزة الامنية وتجرده، إضافة الى القرار السياسي الواضح في هذا المجال والذي لا لبس فيه او غموض. في الوقت نفسه على الجميع ان يدرك ان استهداف الاجهزة الامنية بالحملات السياسية له مردود سلبي، لان ما من دولة يمكن ان تقوم اذا كانت قواها الامنية مستهدفة بقصد تعطيلها، والامثلة على ذلك كثيرة .

 

وقال: إني اذ انوه بالمواقف الحكيمة التي صدرت بعد الحادثة  المؤسفة والتي دعت الى ضبط النفس وعدم الوقوع في الافخاخ التي تنصب لهذا الوطن الغالي تارة في طرابلس وطورا في عكار او اي منطقة لبنانية اخرى، اؤكد ان الحكومة التي كان من اهداف تشكيلها، وأد الفتنة في مهدها، عازمة على الاستمرار في تحمل المسؤولية الوطنية التي تفرضها دقة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة، وهي ماضية في اتخاذ كل ما من شأنه المحافظة على السلم الاهلي وتفويت الفرصة على المصطادين في الماء العكر. الا ان هذه المهمة الوطنية تحتاج، نظرا للظروف الراهنة، الى تعاون من جميع القيادات اللبنانية التي عليها ان تترفع عن الاعتبارات الذاتية والحسابات الضيقة وتقدم مصلحة الوطن فوق كل المصالح، لأن  استمرار النزف الحاصل يمكن ان يؤدي الى واقع لا يريده اي من اللبنانيين الذين سئموا المناكفات والصراعات والخلافات ويتطلعون الى عمل وطني انقاذي يتناغم مع طموحاتهم وامالهم وثقتهم بوطنهم وبمستقبلهم .

 

وقال: ان ما حصل اليوم في عكار نريده خاتمة احزان هذا البلد الذي يصر البعض على استحضار لغة الحرب والاقتتال الاخوي التي سادت في الماضي والذي اعتقدنا اننا طويناها الى غير رجعة. ان المسؤولية التي يتحملها القادة السياسيون في لبنان توازي المسؤولية التي يتحملها القادة الامنيون، وكما ان الخطأ عند العسكريين يكون احيانا قاتلا، كذلك فان الخطأ عند السياسيين قاتل حتما، وعلينا جميعا ان نتعاون لئلا يقع احد في الخطأ.

 

أضاف: اني ادعو اهلي واخوتي في عكار وطرابلس الى تحكيم العقل والضمير والاحساس بالمسؤولية الوطنية في هذه الظروف الدقيقة، واناشدهم عدم تمكين اعداء لبنان من تحقيق مآربهم، واؤكد لهم اني شخصيا والحكومة حريصون على احقاق الحق والمضي في التحقيقات الجارية حتى النهاية، وأدعوهم الى التعاطي مع القوى الامنية من جيش وقوى امن داخلي تعاطي الابناء والاخوة لان هؤلاء العسكريين هم منكم ولكم، وبقدر ما يحرصون على سلامتكم وهنائكم، بالقدر نفسه يحرصون على سلامتهم وكرامتهم .

 

وقال: ان هذا الحرص المتبادل يدفعني الى التشديد على ضرورة فتح الطرق والخلود الى الامن والسكينة، وعدم التعرض لمصالح الناس والمرافق العامة لان مثل هذه التصرفات مدانة من الجميع لانها تضر بالجميع وتؤذي خصوصا الوطن وتخدم الاعداء الذين يتربصون منا الدوائر .

 

وختم بالقول: لقد اعطيت التعليمات الى الاجهزة القضائية بالمضي في التحقيقات لجلاء ظروف حادثة الكويخات حتى النهاية وتحديد المسؤولية، بالتزامن مع تعليمات باعادة الوضع الامني الى طبيعته لتكون بداية الاسبوع آمنة ومستقرة في شمالنا العزيز لما فيه خير ابنائنا جميعا.

 

مؤتمر صحافي


في نهاية الاجتماع عقد الرئيس ميقاتي لقاء صحافيا قال فيه: عقدنا هذا المساء اجتماعا امنيا وسياسيا لبحث التطورات الأمنية  وقد إعتبرنا أن  الحادث الذي وقع اليوم في منطقة عكار والذي  ذهب ضحيته الشيخ احمد عبد الواحد ومرافقه لم يحزن فقط ابناء هذه المنطقة العزيزة على قلوبنا، بل احزننا جميعا لأن جرح  اخوتنا في عكار هو جرحنا جميعا. والمؤلم اكثر ان الحادث وقع مع قوة من الجيش اللبناني في ظروف مؤسفة لا بد ان تتوضح معالمها من خلال التحقيق الذي يتابعه القضاء العسكري المختص بسرعة وجدية، وهو لن يتوانى عن اتخاذ  الاجراءات واشد العقوبات في حق من تثبت مسؤوليته من دون تلكؤ او محاباة ، ونؤكد أنه لا حصانة لآحد وان القانون يبقى دائما فوق الجميع .

 

اني ادعو اهلي واخوتي في عكار وطرابلس وفي كل منطقة من لبنان الى تحكيم العقل والضمير والاحساس بالمسؤولية الوطنية في هذه الظروف الدقيقة، واناشدهم عدم تمكين اعداء لبنان من تحقيق مآربهم، واؤكد لهم اني شخصيا والحكومة حريصون على احقاق الحق والمضي في التحقيقات الجارية حتى النهاية، وادعوهم الى التعاطي مع القوى الامنية من جيش وقوى امن داخلي تعاطي الابناء والاخوة لان هؤلاء العسكريين هم منهم ولهم، وبقدر ما يحرصون على سلامتهم وهنائهم، بالقدر نفسه يحرصون على سلامتهم وكرامتهم .

 

ان هذا الحرص المتبادل يدفعني الى التشديد على ضرورة فتح الطرق، وعدم التعرض لمصالح الناس والمرافق العامة لان مثل هذه التصرفات مدانة من الجميع لانها تضر بالجميع وتؤذي خصوصا الوطن وتخدم الاعداء الذين يتربصون منا الدوائر.

 

اعود واكرر انني طلبت من معالي وزير العدل متابعة التحقيقات لجلاء ظروف حادثة الكويخات حتى النهاية وتحديد المسؤولية، بالتزامن مع تعليمات باعادة الوضع الامني الى طبيعته لتكون الايام المقبلة  آمنة ومستقرة في شمالنا العزيز لما فيه خير ابنائنا جميعا.

 

ان المسؤولية التي يتحملها القادة السياسيون في لبنان توازي المسؤولية التي يتحملها القادة الامنيون، وكما ان الخطأ عند العسكريين يكون احيانا قاتلا ، كذلك فان الخطأ عند السياسيين قاتل حتما ، وعلينا جميعا ان نتعاون لئلا يقع احد في الخطأ. من هنا الدعوة الى وقف الخطاب المتشنج فهذه مسؤولية وطنية كبرى علينا جميعا تحملها الى اي فئة انتمينا.

 

تبقى كلمة اتوجه بها الى وسائل الاعلام لاقول ان الحرية هي جوهر لبنان وأن حرية الاعلام مقدسة. وإنني إذ انوه بجهود وسائل الاعلام، اذكرها بان الحرية ترتب على المتمتع بها مسؤولية وطنية.. من هنا أتمنى  عليها المساهمة في تخفيف التشنج وإعتبار الاولوية في هذه المرحلة لصيانة السلم الأهلي والاستقرار في البلد.

 

أسئلة وأجوبة


سئل الرئيس ميقاتي: ما رأيك في الدعوات لعودة الجيش السوري الى لبنان والدعوات المقابلة لمنع الجيش اللبناني من دخول منطقة عكار؟

أجاب: أنا اعتقد ان لكل شخص أو فئة مصالحها الخاصة وحساباتها، ولكن حساباتنا ومصلحتنا هي مصلحة لبنان دون سواه. من هنا أعتقد ان اي دعوة لدخول أي جيش أمر مرفوض حتما، كما أن اي كلام عن تحريم دخول الجيش اللبناني الى اي منطقة أمر مرفوض. نحن نعمل وفق حساب ان الجيش والقوى الامنية اللبنانية عليها القيام بواجبها ودورها في كل المناطق اللبنانية.

 

سئل: ما رأيك بالدعوات التي وجهت إليك للاستقالة؟

أجاب: لكل فئة الحق في ان تقول ما تريد في السياسة ، ولكن قبولنا بهذه المهمة كان لتجنيب لبنان هذا الخطر . اليوم بالذات موضوع الاستقالة ليس مطروحا ولا واردا . المسؤولية يجب ان نتحملها الآن أكثر من اي وقت مضى في سبيل إعادة الأمن والاستقرار الى كل لبنان.

 

سئل: يتم حاليا  قطع طرق في الكثير من المناطق بما يوحي بتصعيد معين؟

أجاب: بنتيجة البحث الذي جرى في الاجتماع أقول إنني اكثر إطمئنانا من الصباح، ورهاني كبير على الحس الوطني لكل لبناني مخلص، ورهاني ايضا على القوى الأمنية. انا مطمئن ومتفائل بحل كل هذه الامور في الساعات المقبلة.

 

سئل: هل ما يجري هدفه الوصول الى منطقة عازلة في شمال لبنان، كما سمعنا؟

أجاب : لم يكن هذا الأمر مطروحا في الاجتماع ولم ترد أي معلومات أمنية أو سياسية في هذا الموضوع.

 

سئل: هل  تم توقيف الضابط الذي حصل معه الاشكال في منطقة الكويخات؟

أجاب: معالي وزير العدل يتابع هذا الأمر ، وعادة في مثل هذه الحالات تقوم الشرطة العسكرية والتحقيق العسكري بعملية التحقيق، وقد طلب قائد الجيش ان تشارك النيابة العامة العسكرية بالتحقيقات، وقد توجه القاضي صقر صقر الى الشمال وبدأ تحقيقاته في ثكنة القبة في طرابلس ثم توجه الى موقع الحادث في عكار ويتابع حاليا التحقيق في إحدى الثكن مع الضباط المعنيين، وطلبنا منه البقاء هناك الى حين إستكمال هذه التحقيقات.

 

سئل: ماذا عن الخشية من تطور الوضع في طرابلس؟

أجاب: أتوجه الى كل أهلنا في طرابلس وعكار وكل لبنان لأقول لا مصلحة لأحد في اي توتر أمني، لأن الخاسر هو لبنان والشعب اللبناني، وعلينا أن نسعى جميعا لكي نبقى يدا واحدة من أجل ألأمن والامان والسلم الأهلي في لبنان.

 

سئل: هل ما يحصل له علاقة بالاتهامات السورية الى لبنان قبل يومين عبر الرسالة الى مجلس الأمن؟

اجاب: كان لنا قبل يومين رد على هذه الرسالة وستتم متابعة الموضوع.

الرئيس ميقاتي في إحتفال كليّة العلوم الصحية في الجامعة الأميركية: كم نحن في حاجة للإبتعاد عن الحروب والتخفيف من النزاعات العبثية

رعى رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي مساء اليوم إحتفال كليّة العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت بإطلاق  النسخة الإنكليزية من كتابها الجديد "الصحة العامة في العالم العربي". وقد أقيم الإحتفال في قاعة هشام الجارودي في كلية الحريري للتمريض في الجامعة في حضور رئيس الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور بيتر دورمان، عميد كليّة العلوم الصحية في الجامعة الدكتور ايمان نويهض بالإضافة إلى حشد كبير من المختصّين والجهات المعنية في القطاعين الصحي والتنموي.

 

وألقى الرئيس ميقاتي في المناسبة الكلمة الآتية: عندما طلب مني رئيس الجامعة الاميركية الدكتور بيتر دورمان رعاية هذا الحفل اليوم اقول لكم بصراحة لم أتردد لحظة واحدة، وكنت سعيداً جداً بأن أكون أحد رعاة هذا اللقاء لأسباب عدة أولها أنه يعقد في الجامعة الأميركية، هذه الجامعة التي لها علينا جميعاً، ففيها تربينا وتعلمنا، ولا يمكننا أن ننسى أثرها فينا. لقد تعلمنا في هذه الجامعة القيم التي لا نقولها فقط إنما نتبعها بسلوكنا وحياتنا اليومية، لقد علمتنا تفهم الغير والتعايش مع الآخر وإحترامه. كما علمتنا أيضاً ما هو أهم وما شعرت به هو أن الدين مسموح للجميع إنما في المنزل، لكن عند خروجك من منزلك فبمقدار ما يكون إنعكاس سلوكك على المجتمع من أخلاق وسلوك جيدين بقدر ما تكون أنت متديناً في منزلك.

 

لقد تعلمنا هذا الأمر في الجامعة ولا يمكنني أن أنسى فضل الجامعة الأميركية علي، وعلى معظمكم أنتم خريجو الجامعة الأميركية في بيروت التي علمتنا هذا السلوك وهذه القيم وكيفية التعاطي مع الآخر.

 

أضاف: لقد لفت معظم المحيطين بي صباح اليوم أنه في العادة عندما أتولى رعاية حدث أو حفل ما أرسل ممثلاً من الوزراء المعنيين الأكثر إهتماماً ربما بالموضوع ليمثلونني في مثل هكذا لقاءات، لكني أكرر بانني أصريت على الحضور، لأنه تسنى لي أن أتصفح الكتاب الذي وصلني قبل أسبوع، ولمست مدى الإهتمام والإنجاز الكبير الذي تمّ، وهو إنجاز نفتخر به لأنه سد نقصاً كبيراً ولأن هناك الكثير من الفراغات في الحقول العلمية والبحثية والإجتماعية التي تحتاج إلى ملئها.

 

من هنا أقول إذا كان حضوري يعطي أي زخم أو خطوة إلى الإمام لا يجب أن أتردد أبداً لأنه عمل نفتخر به ونرفع به رأسنا، خصوصاً أن هناك 26 لبنانياً من الباحثين الذين ضموا أوراقهم إلى هذا البحث، وهو ما يشير إلى أهمية التعاضد في العمل لأنه لا أحد يستطيع أن يعمل منفرداً، لقد تمكنا من العمل مع الآخر والتوسع معه لنولد الفكرة، لأن هذه الأخيرة لا تولد إلا إذا تزاوجت مع فكرة أخرى، وفي هذا الإنجاز الصحيح والأفكار الكبيرة.

 

وقال: عندما تصفحت الكتاب وجدت عنواناً ملفتاً "الحروب والنزاعات وأثرها على الصحة العامة"، كم نحن بحاجة إلى قراءة هذه الورقة أكثر فأكثر لنعي تماماً ما هو أثر الحروب والنزاعات علينا وعلى صحتنا وصحة عائلاتنا وأولادنا، كم نحن في حاجة للإبتعاد عن الحروب والتخفيف من النزاعات العبثية بين بعضنا البعض والتي لا توصل إلى أي نتيجة. كم نحن في حاجة إلى التآخي والتعاضد والتكاتف في سبيل قضية تهمنا، أي قضية مهما كانت، ولن أدخل في التفاصيل والسياسة، والأهم أن نبقى على معرفة وأن نبقى موحدين بفكر واحد، نحن هنا في لبنان يهمنا لبنان ويهمنا أن يبقى هذا الصرح الجامعي منارة للعلم في المنطقة كلها، وكلنا على إستعداد للمساهمة في هذا الموضوع لما فيه مصلحة الجامعة الاميركية كما أننا على إستعداد حتماً للتضحية من أجل لبنان.

الرئيس ميقاتي: العائلة هي الركن الأساس في بناء الأوطان

رعى رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي إحتفال يوم العائلة الوطني بعنوان "العائلة: العيد والعمل" الذي أقيم قبل ظهر اليوم في المركز العالمي  لحوار الحضارات في الربوة، بدعوة من بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ورئيس اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة المطران أنطوان العنداري.

حضره، إلى جانب ميقاتي، عقيلته السيدة مي ونجله مالك، بطريرك الأرمن الكاثوليك نرسيس بدروس التاسع عشر، الوزيران حسان دياب ونقولا صحناوي وعدد من النواب والوزراء السابقين، مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، ممثلو الأجهزة الأمنية والعسكرية والروحية والديبلوماسية والبلدية وحشد من الفاعليات الإقتصادية والإجتماعية والتربوية والإعلامية وأعضاء الرابطة المارونية.

بدأ الاحتفال بالنشيد الوطني عزفاً وإنشاداً، ثم قدم مدير العلاقات العامة في المركز المونسنيور الدكتور شربل الحكيم الرئيس ميقاتي الذي قال "أردت أن اشارك ولو لدقائق مختصرة في الإحتفال، على الرغم من الظروف القاهرة والأحداث التي تمر بها عاصمة الشمال طرابلس. العائلة هي أساس المجتمع ومن دون عائلة متماسكة ومتعاضدة يرى الإنسان الدنيا سوداء".

ثم شكر البطريرك لحام الرئيس ميقاتي على مشاركته في الإحتفال، داعياً له "بالتوفيق في كل ما يقوم به من أجل إنقاذ لبنان".

كلمة الرئيس ميقاتي

وفي ختام الإحتفال ألقت عقيلة رئيس مجلس الوزراء السيدة مي كلمة الرئيس ميقاتي وهذا نصها:

عندما زارني صاحب السيادة المطران أنطوان نبيل العنداري لدعوتي  للإحتفال معكم بـ" عيد العائلة الوطني" وافقت على الفور، لإيماني الكبير والثابت بأن العائلة هي الركن الأساس في بناء الأوطان، وما أحوجنا اليوم إلى تعزيز الوحدة بين أبناء العائلة اللبنانية الكبيرة على إختلاف مذاهبنا وطوائفنا. فما يميز وطننا عن سواه من الأوطان ويعطينا قوة الإستمرارية، رغم الصعوبات الكبيرة التي تواجهنا، هو تمسكنا جميعاً بقيم العائلة والشراكة بين أبناء الوطن والتي جعلت من لبنان أكثر من وطن، بل رسالة، على ما قال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني.

أيها الحفل الكريم: إن الإنسانية على هذه الأرض هي عائلة أسسها الأبوان الأولان آدم وحواء فكانت هذه العائلة الركيزة الأولى في المجتمع الإنساني على مر التاريخ والأجيال. وإن الله سبحانه وتعالى عندما خاطب البشر في كتابه لم يخاطبهم لإنتمائهم، وإنما خاطبهم لإنسانيتهم فقال لهم: "يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". فتنوع العائلة على حسب تنوع القبائل والشعوب والعادات، والهدف الأسمى لهم جميعا التعارف والتعاون، والقيمة لهم جميعاً أن يكونوا محبين لله، محافظين على العلاقة الطاهرة فيما بينهم وبينه.

إن إختياركم عنوان عيد العائلة الوطني لهذا العام "العائلة: العمل والعيد" هو إختيار موفق يوضح أبعاد العائلة. فأي تماسك لأي عائلة بلا عمل هادف؟ وأي طعم للعيد من دون روابط الأسرة بين أفرادها؟ فعائلتنا عمل يجمّل العيد وعيدنا عندما نرى عائلتنا تسعى للعمل، وكلنا للوطن، كلنا للعمل، وكلنا للعائلة.

دروع تكريمية

وخلال الإحتفال قدم لحام وعنداري درع تقدير للرئيس ميقاتي "لحضوره ورعايته هذا العيد وتقديراً لجهوده الجبارة في إرساء سفينة لبنان إلى بر الأمان".

وقدم عنداري للحام درعا تكريمية "لرحابة صدره في إستضافته للعيد"، وجرى كذلك تسليم دروع من لجنة العيد ممثلة بالأرشمندريت حكيم والسيدة عزو لصحناوي ومطر وفهد، الذين إختارتهم اللجنة نظراً للمنهج المعتمد في الفاتيكان والذي تطبقه اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة في لبنان بإختيارهم مجموعة أبدعت في مجالات مختلفة.

وتخللت الإحتفال مقاطع فيروزية وأغان من وحي المناسبة قدمتها جوقة القديسة رفقا. وعلى وقع موسيقى قوى الأمن الداخلي كان لحام يستقبل ميقاتي والوزراء عند مدخل المركز. وسبق الإحتفال قداس ترأسه لحام وساعده فيه لفيف من الأساقفة والكهنة، ترأسهم عنداري.

الرئيس ميقاتي: ما أحوجنا اليوم في ظل المتغيرات الهائلة التي تعصف بعالمنا العربي إلى مثل الشيخ فيصل مولوي

أقامت "الجماعة الإسلامية في لبنان"، في قصر الأونيسكو اليوم، مؤتمراً في الذكرى السنوية الاولى لرحيل الأمين العام السابق للجماعة الشيخ فيصل مولوي، حضره رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ممثل رئيس مجلس النواب النائب محمد قباني، ممثل الرئيس سعد الحريري النائب عمار حوري، رئيس "كتلة المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة، ممثل رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط النائب أكرم شهيب، ممثل رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني في غزة اسماعيل هنية الأمين العام لمجلس الوزراء محمد عصفور، ممثل المرشد العام ل"الإخوان المسلمون" محمد بديع نائبه جمعة أمين، ممثل شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ نعيم حسن، أمين عام لجنة الحوار الإسلامي- المسيحي الأب الدكتور أنطوان ضو، مفتي صيدا والجنوب الشيخ سليم سوسان، مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، ممثل قائد الجيش العماد جان قهوجي العقيد الركن سيمون خوري، ممثل المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي العميد عبد الرحمن غلاييني، بالإضافة إلى أعضاء المكتب السياسي ل"الجماعة الإسلامية" ومسؤول العلاقات الدولية في حركة "حماس" أسامة حمدان وممثلي أحزاب فلسطينية.

بدأ المؤتمر بتلاوة آي من الذكر الحكيم، ثم النشيد الوطني، ثم بث فيلم عن حياة الراحل وإنجازاته.

ميقاتي

وقد ألقى الرئيس ميقاتي كلمة قال فيها:

أيها السادة الحضور،

نقف اليوم أمام ذكرى رجل كبير من رجالات لبنان والأمة العربية والإسلامية، وقفة وفاء وتقدير ومحبة، لكي نتأمل معكم بعمق إنجازاته الفكرية ونهجه الإصلاحي ومسيرته الرائدة في الدعوة الإسلامية التي إستحق فيها بجدارة أن يكون فقيه الدعوة وحكيم الدعاة.

لم يكن القاضي الفقيه المستشار الشيخ فيصل مولوي، رحمه الله، من الرجال الذين تحدّهم حدود المكان، فرسالته وجدت طريقها إلى كل مكان إستطاع الوصول إليه، من طرابلس الفيحاء إنطلق ليشمل بنشاطه وهمّته مختلف أنحاء لبنان، مؤسساً مع أخوته في " الجماعة الإسلامية " مسيرة متميزة، ومساراً في العمل المؤسساتي والتربوي راسخاً في أصالته وإرتباطه بما ينفع الناس.

في لبنان رأيناه محاضراً ومشرفاً ومتابعاً، كما في العديد من العواصم العربية والإسلامية، وفي كل مكان أطل فيه ترك أثراً طيباً، وزرع بذوراً أينعت خيراً وفيراً، حتى في أوروبا وفي خلال خمس سنوات نجح في تأسيس مؤسسات إسلامية تربوية ودعوية رائدة، جعلته مرجعاً ومرشداً دينياً لإتحاد المنظمات الإسلامية حيث بقي على تواصل مع أكثرها حتى وفاته.

كان هذا الرجل الكبير داعية محبة وعلم وتقوى، جمع بين الأصالة والفكر المستنير، بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وكان من القائلين بالتجديد ومواكبة العصر من دون الإنقطاع عن التراث والحضارة.

كان رحمه الله ذا رأي جامع وأدب جمّ وتواضع لله بلا حدود، نابذاً كل أشكال الفتنة والإنقسام وداعية حوار بين مكونات الأمة الإسلامية والعربية.

آمن بوحدة لبنان في أصعب الظروف، رافضاً دعوات التقسيم الطائفية والعصبيات المذهبية التي تفرق ولا تجمع، متمسكاً بالعيش المشترك، معتمداً فكر المناصحة لا المغالبة بين أبناء الأمة والوطن، نابذاً العنف والإقصاء بكل أشكاله.

رحم الله الشيخ فيصل مولوي، فقد كانت الفتاوى لا تصدر عنه إلا بعد دراسة متأنية، وتدقيق منهجي، بحيث تأتي ناضجة ومتوازنة، ومواكبة للعصر والواقع، وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا المنهج الذي يمعن الفكر والموازنة قبل إصدار الأحكام.

لذلك، أيها السادة، لم تكن قناعاته مبنية على مقولات ظرفية، بل كانت تنطلق من ثوابت راسخة، كان يريد رحمه الله أن ينشر بأسلوبه الفريد وسطية الإسلام بدعوته إلى الإنفتاح على الآخر وإلى المواطنة كسبيل إلى المساواة بين أبناء الوطن الواحد، وما أحوجنا اليوم في ظل المتغيرات الهائلة التي تعصف بعالمنا العربي إلى مثل هذا العقل المنفتح والرؤى النيرّة، لذلك كان رحمه الله يراهن على العمل المؤسساتي والتربوي، كما كان لكتاباته ومؤلفاته ومحاضراته، الحظ الأوفر من جهده الذي أينع وأثمر شباباً ومؤسسات نفخر بها، ومثالنا جميعاً قوله تعالى: "فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض". صدق الله العظيم.

إطبع


ميقاتـي بيـن «الحارسـين»: صاحـب طريقـة.. طرابلسـية!
السبت، ١٤ كانون الثاني، ٢٠١٢

جريدة السفير – جهاد بزي

 

الطريق المؤدية إلى السرايا الكبيرة تمرّ بنصب الرئيس رياض الصلح، وتنتهي عند نصب الرئيس رفيق الحريري. تبدأ باغتيال وتنتهي، عند الباب الخشبي العالي، باغتيال. حارسان من البرونز واقفان دائماً عند المبنى العثماني الجاثم منذ القرن التاسع عشر في أعلى الهضبة، متفرجاً على أحوال العباد والبلاد.

 

 

حارسان لنوافذ لا تُحصى في القصر تطلُّ على أمثولة مريرة: للجالس في مقعد السنّة الأول أن يعي ثقل الكرسي ووطأتها على من اتصلت إليه بعدما لم تدم لغيره، كما تقول العبارة الشهيرة المرفوعة عند باب السرايا.

 

 

والخمسـيني الفارع الطول الذي يستقبل زوّاره عند باب مكتبه الواسع، لا يجهل الملحمية المفروضة على المكان وعلى المنصب، للأسباب الكثيرة التي تتعلق بالأقدار الصعبة للطائفة وتحولاتها وتاريخها وحاضرها.. وبالطبع جغرافيتها.

 

 

لكن التجربة التي يخوضها نجيب ميقاتي، مذ انضم إلى اللائحة الطويلة لرؤساء الحكومات، ما زالت في أوّلها. الوقت واليوميات المضغوطان إلى الأقصى، لا يسمحان له بترف التأمل. الرجل العملي المولع بالتفاصيل، يركّب قراراته السياسية كما لو أنه يركّب معادلات علمية، يحتاج فيها إلى الرياضيات والفيزياء والكيمياء. معادلات إذا أضاف إليها ابن طرابلس بعضاً من الصوفية والعفوية، بات رئيس الحكومة صاحب طريقة باسمه.. «الطريقة الميقاتية» التي ما زالت السياسة في لبنان تكتشفها يوماً بعد يوم. ناجحة في النأي عن المشاكل والالتفاف حولها والتحايل عليها.

 

 

«الطريقة» التي وإن كانت في جزء منها تقوم على الالتزام بصورة رجل الدولة الذي يتعالى عن الصغائر والنكايات والسجالات، إلا أنها، في جزء آخر، تعتمد دائماً على الالتزام بالقرار حين يعلن، وبمضمون الورقة حين تُكشف، تمويل المحكمة الدولية مثالاً، وعلى التكتم التام عن كل ما تبقى من أوراق إلى أن تحين أوقاتها، فتُرمى، صادمة، ومخالفة دوماً لكل التوقعات.

 

 

هكذا، مذ كلّف برئاسة الحكومة، وميقاتي يفاجئ الخصوم والشركاء على السواء، وكلاهما عاجز عن القبض عليه متلبساً بالإخلال بوعد، أو بممارسة كيدية تشتهيها قوى 14 آذار، حتى تكاد ترجو الله أن يوقعه في شرّها.

 

 

وهكذا عرف شركاؤه في الحكومة بسرعة أنهم لن يكونوا قادرين على احتوائه، وأنه سيظل يلعب منفرداً ووفقاً لطريقته، مستفيداً من تقاطع النوايا والمصالح مع ميشال سليمان ونبيه بري كما مع وليد جنبلاط.

 

 

كما أن ميقاتي تفاقم من البداية في وجه سعد الحريري، حتى بات معضلةً لا حلَّ لها ولا جدوى من البحث عن نقطة ضعف لدى ابن طرابلس الفارع الطول هذا الذي، وإن لم يكن يبتسم، بدا وجهه الواسع المستدير كأنما يبتسم. بكلام آخر، كيف كان يمكن تصنيع شرير من رجل أعمال ملياردير سني متدين ومعتدل وله علاقات على امتداد الدول العربية والعالم ويصرّ على أن يعمّد نفسه رجل دولة جديداً في طائفة لطالما افتخرت بأنها لا تخرّج إلا رجال دولة، من رياض الصلح وحتى رفيق الحريري؟ كيف يمكن للحريري الابن أن يزيل نقاط التشابه العديدة بين والده الراحل بالتحديد وبين الطامح إلى المنصب، والذي لا يعتبر المحكمة الدولية سمكاً، بينما الاستقرار تمراً هندياً؟

 

 

لم يجد «المستقبل» طريقاً إلى كتف الطرابلسي الذي لا يجاهر بأنه يعمل من أجل زعامة سنية، غير أنه يفاخر، ويعمل كل لحظة، على زعامة طرابلسية راسخة. وهذه زعامة تصنع بجهد، تبدأ من خطابه الذي لا تنزل مدينته من خلفيته، وتكمل متجولة معه بين غرف مكتبه في طرابلس كل نهار جمعة، مستمعاً إلى الناس وملبياً الطلبات، وتنتهي باجتماع انمائي للمدينة لوزراء طرابلس في قلب السرايا. وبينهما، وحولهما جمعيات خيرية وتيار شبابي واحتضان واسع للمحامين والأطباء والمهندسين وخلافهم ممن يشكلون القاعدة لأي تيار أو حزب سياسي مقبل، بعدما خرج ميقاتي من تحت عباءة الحريري، وارتدى عباءته وبشّر بـ«طريقة» هي الممر الالزامي لزعامة طرابلسية ومن بعدها زعامة السنة.

 

 

وهو ينصّب مدينته مراقباً على قراراته، فإذا كان الهم الوطني هو العام، فالهم الطرابلسي، بالنسبة إليه هو الخاص، يتعامل معه تعامله مع عائلته، وحساباته: انك كي تكون متقدماً في العام عليك ان تكون قوياً في الخاص..

 

 

طرابلسيته ينبغي إلا تستفز أحداً إذاً، ما دامت من حقه، وما دام لا يقدّم نفسه بصفته منافساً للحريري على زعامة الطائفة. وهو لم يقدّم لسعد حجّة واحدة تبرر شن حرب عليه.. الا تلك المتعلقة «بالطعن بالظهر»، وهي اقرب إلى حكايات «القرايا والسرايا» منها إلى السياسة بالطبع.
وبينما الهجوم يصل إلى اقصاه عليه، قبل أن يفعل شيئاً، وتحاكمه على ما سوف يتخذه من قرارات لاحقة، ظل على صمت يتعدى التهذيب إلى الحنكة السياسية العالية التي كان صمته أحد أوجهها. تركهم يبنون هجومهم على ما تنبأووا له من سقوط في حفر عديدة. وفاز عليهم بمجرد أن خيّب توقعاتهم.

 

 

لم يفرّط بصلاحيات منصبه، بل تطرّف في الدفاع عنه. بدلاً من إزاحة الضابطين السنيين الكبيرين وغيرهما، بات هو حاميهما. حتى المستقبليون من موظفي السرايا الذين ظنوا أن الزمن الجديد سيكون كالحاً عليهم، سرعان ما ارتاحوا إلى أن ميقاتي لن يسجل على نفسه، كما لا يعنيه على الأرجح، أن يخوض معركة معهم، بل استوعبهم أيضاً.

 

 

ومع أنه قال من البداية إنه سيموّل المحكمة، إلا أن موقفه ظل غير حازم بما فيه الكفاية، مما جعل خصمه يظن أنه عند الاستحقاق سيتراجع، فركز كل معركته على نية التراجع هذه، فيما كان ميقاتي أعزل، حتى جاء الوقت فلوّح بالتخلي عن المنصب، فوضعه بالتالي في موازاة تمويل المحكمة الذي صار انتصاراً له ولكمة ما زال المستقبل حتى اللحظة لا يعرف كيف سددها ميقاتي له، ولا يجد مفراً من الهروب من شدتها إلا بكيل الثناء لهذا الخصم المراوغ والصعب جداً، والذي لا يوحي أبداً بأنه ملاكم، بل يتقن العاب الخفة الممتعة كهذه التي ما زالت تؤتي ثمارها معه: نجيب ميقاتي يعطي سعد الحريري بينما الميقاتية تأخذ من الحريرية.

 

 

وفي خانة الأخذ من درب الحريرية، الخدمة المستدامة بلا انقطاع التي يقدّمها اليه ميشال عون بمناكفته وخوضه معه معارك لم يوفّق فيها «الجنرال» حتى اللحظة، ويبدو أن ميقاتي يمارسها بمتعة شديدة وبتكتيكات لبنانية يحبّها.

 

 

كما أنه، هو المحظوظ، نال مجاناً شتائم بعض من السياسيين المبغوضين سنيّاً، بعدما قرروا إضافته مذموماً إلى بيانات يومية خصّصوها في العادة للحريري وفؤاد السنيورة. ومن ساوى العداء لميقاتي بالعداء للحريري ما ظلم الأول قط.

 

 

يحب ميقاتي تركيب المعادلات الرابحة. يتقدّم بحذر. لا يخطو كيفما اتفق، وليس فيه ما يوحي بأنه مستعدّ لأن يدوس في الوحل من أجل أحد ولأي سبب. ليس مغامراً ولا يدّعي أنه ممن يخوضون المغامرات. سياسي برهن عن دهاء عالٍ، غير أنه في الأصل سياسي متخفّف من الصراعات والادعاءات الكبيرة. هو المعتد دوماً بنجاحه على المستوى الشخصي، كرجل أعمال ثم رجل دولة، يظل يرى إلى تجربته بإيجابية وتفاؤل، ما دام تقدمه إلى رئاسة الحكومة نزع فتيل صراع مذهبي أكيد، وما دام «حزب الله» يوليه ثقته، او هو على الأقل لا يتوجس منه، وما دام المجتمع الدولي أعطاه ثقة عالية بدوره، وما دام عاقلاً بما يكفي لأن يترك ما لسوريا في سوريا، نائياً بنفسه وبلبنان ما استطاع.

 

 

هو لا يخفي الارانب في كمّيه كما بات يُشاع عنه. بل إن أرانبه واضحة وتحيط به. يقف عند مجموعة من التقاطعات السياسية التي يجيد خلط نسبها من أجل معادلاته، ويعوّل على هذه المهارة في نزع فتائل مقبلة تهدد الاستقرار، هاجسه الأول كسر الحلقة المفرغة من الخلل الاقتصادي الاجتماعي التي تدور بالبلد مذ نشأته على الأرجح. لكنها عقدة تحتاج إلى أرانب لا تحصى ومعادلات لا نهاية لها.. وأكثر من طريقة من الطرق الصوفية.. ولا أحد يدري إذا كان الوقت والتطورات سيسعفانه، لكنه يعمل كأنه باقٍ في منصبه.. أبداً.

 

 

في مكتبه في السرايا المشرف من الهضبة على بيروت وأحوالها، يجلس صاحب الطريقة الميقاتية مرتاحاً. بعيداً عن المنبر وعدسات التصوير، يبدو أكثر مرحاً، تخدمه اللهجة الطرابلسية التي يلتقط بها خيط الكلام ولا يفلته قبل أن يتأكد من أنه كسر الحواجز مع ضيوفه. الرجل المتدين ورب الأسرة الذي تزوّج مبكراً، وبات الآن جدّاً، درس في الغرب وعمل فيه ويفهم لغته، وهو يجمع بين صورتي السياسي العصري والآخر التقليدي الذي يعرف تجارب من سبقوه ويحترمها، وإن كان يخص الرئيس سليم الحص بودّ واحترام خاصين.

 

 

يرى ميقاتي إلى نفسه بصفته أخذ من كل رئيس وزراء شيئاً ما، وإن لم يتقصد ذلك، و«رجل الدولة» هو وصف الصورة التي يسعى بها لذاته. لا يشبه أستاذ المدرسة الثوري الشاب الذي يقع التلامذة في حبّه ما إن يخلع سترته وربطة عنقه. هو أقرب إلى مدير المدرسة الهادئ والرصين، موضع ثقة أهالي التلامذة. هذا على الأرجح ما يريده من طائفته، ليس عاطفتها وتصفيقها.. بل ثقتها.. التي لا تأتي إلا على مهل، ونتيجة تراكم طويل.

 

 

يمضــي الآن أفضل أيّامه بالطبع. يشتغل لاسمه وبيته السياسيين. ما زالت التجربة في بدايتها، وما زال بلا أخطاء كبيرة، وما زال خصومه يبحثون عن مكامن الخــلل ونقاط الضعف في هذه الطريقة الميقاتية التي ما زالت مستغلقة عليهم.

 

 

المزيد من الفيديو
You need Flash player 8+ and JavaScript enabled to view this video.
الرئيس ميقاتي في شريط وثائقي عرض خلال حفل التكريم الذي أقامته له جمعية أندية الليونز الدولية المنطقة 351